
/0/28898/coverorgin.jpg?v=9d6b88241de8da3b5cea4aadd9a9ef14&imageMogr2/format/webp)
"وقّعيها يا نورة."
انزلقت الأوراق الرسمية ببطء فوق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني الداكن. توقفت الحواف البيضاء الحادة تماماً أمام أطراف أصابع نورة. كان صوت سلطان آل راشد بارداً، يحمل قسوة تشبه هواء الرياض الجاف في ليالي الشتاء.
هبطت عينا نورة على الكلمات المطبوعة بالخط العريض في أعلى الصفحة. اتفاقية طلاق.
تقلصت معدتها بعنف، وكأن يداً خفية اعتصرت أحشاءها، وبردت أطراف أصابعها في اللحظة التي أدركت فيها أن ثلاث سنوات من حياتها كزوجة لوريث عائلة آل راشد، قد تم اختصارها في بضع صفحات باردة. لكن وجهها بقي ساكناً، لم ترمش ولم ترتجف شفتيها.
تراجع سلطان بظهره إلى الكرسي الجلدي، وكتفاه العريضان يعكسان نفاد صبر واضح. عضلات فكه كانت تتقلص بوضوح تحت بشرته الحنطية.
"حالة ياسمين تدهورت مجدداً بسببك." قالها بنبرة اتهام قاطعة، وعيناه تضيقان باحتقار. "ليس لدي المزيد من الوقت لأضيعه في هذه المهزلة معك."
اهتز هاتفه الموضوع على المكتب. التمعت الشاشة باسم ياسمين. في جزء من الثانية، تبدلت ملامح سلطان القاسية، وارتخت زوايا فمه، ولمعت عيناه بقلق وحنان لم تره نورة يوماً موجهاً إليها. هذا التحول السريع كان كشفرة حادة تمزق ما تبقى من أوهام في صدرها.
رفعت نورة عينيها ببطء. التقت نظراتها بعينيه عندما أعاد نظره إليها.
"وما الذي حدث لها هذه المرة؟" سألت نورة، وصوتها يخرج هادئاً، مستقراً، يحمل نبرة سخرية خفية لم يعتد سلطان سماعها منها. "هل كانت مياه المسبح شديدة البرودة؟ أم أن أشواك الورد في حديقتك خدشت بشرتها الرقيقة؟"
ضرب سلطان بكفه على سطح المكتب، ونهض بحدة أسقطت قلمه الذهبي.
"اخرسي!" صرخ، ووجهه يحتقن بالغضب. "أنتِ لا تستحقين حتى نطق اسمها على لسانك. لولا أنني أراعي مشاعر جدي الشيخ عبد العزيز، لما تحملت رؤية وجهك في هذا المنزل لثانية واحدة إضافية."
دار حول المكتب بخطوات واسعة، ووقف أمامها مباشرة. كان فارق الطول يجعله ينظر إليها من أعلى، محاولاً فرض سيطرته المعتادة.
"طوال ثلاث سنوات، استمتعتِ بمكانة سيدة عائلة آل راشد. ارتديتِ مجوهراتنا، وحضرتِ مجالسنا، ونلتِ احتراماً لا تحلمين به في قبيلتك البسيطة." قالها وهو يمرر عينيه عليها باشمئزاز. "الآن، حان الوقت لإعادة هذا المكان إلى صاحبته الحقيقية."
وقفت نورة ببطء. لم تتراجع خطوة واحدة للخلف. استقامت في وقفتها حتى أصبحت عيناها تواجهان مستوى ذقنه. تسلل إلى أنفها رائحة عطره الممزوجة بعطر نسائي ثقيل، عطر ياسمين. شعرت بغثيان حقيقي يصعد إلى حنجرتها.
نظرت مباشرة إلى عينيه، متجاهلة الأوراق الملقاة خلفها.
"سلطان، هل تعتقد حقاً، أنني من دفعتها في المسبح؟"
أطلق سلطان ضحكة ساخرة، جافة وقصيرة.
"كل الخدم في القصر رأوكِ. ياسمين بطيبتها المفرطة كانت تبكي وتترجاني ألا أعاقبك، تقول إنك ربما فقدتِ أعصابك للحظة." اقترب منها أكثر، وصوته ينخفض إلى فحيح غاضب. "لقد فقدت حلمها في أن تصبح بطلة سباحة لأنها أنقذت حياتي في ذلك اليوم. صحتها تتدمر يوماً بعد يوم بسببي. وأنتِ؟ لا تملكين سوى الغيرة والحقد ومحاولة إيذائها."
تسارعت نبضات قلب نورة حتى كادت تسمع دقاته في أذنيها. ضاقت أنفاسها في صدرها. تذكرت تلك الليلة الممطرة قبل ثلاث سنوات. تذكرت المياه المتجمدة، وذراعيها اللتين كادتا تتمزقان وهي تسحبه من قاع المسبح بعد أن فقد وعيه، في حين كانت ياسمين تقف بعيداً ترتجف وتصرخ دون أن تبتل قدمها.
أغمضت نورة عينيها. أخذت نفساً عميقاً ملأ رئتيها بالهواء البارد. وحين فتحتهما، كان كل أثر للماضي، للحب الغبي، للتحمل، قد احترق وتحول إلى رماد بارد.
مدت يدها نحو المكتب. التقطت القلم الذهبي الذي سقط.
/0/35601/coverorgin.jpg?v=64121d4b2b962c49f8f539ef88ad333a&imageMogr2/format/webp)
/0/32273/coverorgin.jpg?v=3cb3aaa3e62ff8820628c3e0da5a4572&imageMogr2/format/webp)
/0/32567/coverorgin.jpg?v=93e654d1bbff2be7785ec5b8a115f3cb&imageMogr2/format/webp)