/0/28898/coverorgin.jpg?v=9d6b88241de8da3b5cea4aadd9a9ef14&imageMogr2/format/webp)
في غرفة نوم يغشاها ضوء خافت في كريست فيلا، لَقطةٌ مُقَرَّبة.
عقب لقائهما الحميم، لامس أحمد جابر الشامةَ الصغيرةَ على صدرِ ليلى حسن بشفتيه برفق، ثم اعتدل جالسًا.
قال بنبرة خالية من الشعور: "دعينا نحصل علي الطلاق."
ليلى، التي لم يَزَلْتِ أنفاسُها متلاحقةً إثر اللقاء، استدارت نحوه ببطء، وفي عينيها نظرةُ دهشةٍ مستعرة.
لقد مضى على زواجهما عامٌ كامل. ما الذي عناه بقوله المفاجئ إنه يرغب في الطلاق؟
"إنها مصابة بسرطان المعدة، ولم يبقَ من عمرها إلا ستة أشهر"، قال أحمد وهو يوقد سيجارة.
ارتفع الدخان ملتفًا ببطء في دوائر حول وجهه.
"إن آخر رغباتها أن تكون زوجتي"، أردف، وكأن الأمر لا يعنيه.
حملقت ليلى فيه مذهولة. ساد الصمت أرجاء الغرفة انتشار الضباب.
ألقى المصباح الجانبي ضوءًا واهنًا، فارسم ظلالًا طويلة على الجدار، فأوهمهم ببعدٍ يفوق حقيقتهم.
رمقها أحمد بنظرة عابسة خفيفة.
"ليس سوى لتسلية خاطرها"، بيّن. "سنعقد الزواج مجددًا بعد ستة أشهر. لن تمكث طويلًا يا ليلى."
كان صوته راسخًا، أقرب إلى اللامبالاة، كمن يردد قولًا لا صلة له به.
ظلت ليلى تحدق في أحمد صامتة، وعيناها لا تفارقان قسمات وجهه.
تكلم كأن عباراته أوامر، لا آراء تُقترح.
كانت علاقتهما منذ البدء أحادية الجانب. سعت وراءها منذ البداية، مدفوعة باندفاع العاطفة في ريعان الشباب.
لازمت جانبه أعوامًا، تجتاز كل مرحلة عسيرة دون أن تفارقه.
لا تزال ليلى تستحضر ذلك اليوم، تحت وابل المطر الذي أغرقهما، حين وقف أحمد حائلًا بينها وبين زوج أمها، قابضًا على عصا مشروخة، وهتف بصوت متقد: "إن لمستّ ليلى ثانية، ستندمي."
لقد انطبعت تلك اللحظة في قلبها نقشًا لا يُمحى. حتى حين كانت واهنة تنزف، أبصرته واقفًا لا يلين، حاميًا جسورًا.
ومنذئذٍ، صارت ملك قلبه.
أحبته بلا انقطاع، واستجابت لمطالبه بما تملك، تحسن تنفيذها على وجه لا يبلغه غيرها.
كان يلمس رأسها بلمسة رقيقة دافئة، ويهمس: "أحسنتِ يا ليلى."
غير أن ثناء أحمد كان سريع الزوال، وقُبَلاته خاطفة، وكل مودة بينهما بدت دائمًا عصيّة الإدراك. إلا أن ليلى أقنعت نفسها بأن ذلك طبعه.
وحتى حين نعتها الناس بالسذاجة، ظلت وفيّة واثقة.
أفنت سبعة أعوام من عمرها في سبيله.
قبل عام، تدهورت صحة جد أحمد، سامر جابر. فرأت العائلة، رجاء تحسّن حالته، أن يُقدم أحمد على الزواج. عسى أن يمنحه بهجة الزواج ما يتشبث به.
وهكذا عقد أحمد قرانه على ليلى.
ظنت أن تلك اللحظة قد آتت أخيرًا. غير أن أمرًا تبدل عقب تبادل العهود. أخذ ينسحب منها رويدًا. كان أحيانًا يرمقها وكأن لا عهد له بها.
"ليلى، أتنصتين؟" قطّب أحمد حاجبيه حين استوعب البُعد في عيني ليلى.
"أيلزم أن تمضي الأمور على هذا النحو؟" همست برقة.
لم يجب عليها. بل قال: "إنها تعاني كثيرًا، يا ليلى."
انقبض صدر ليلى. "وماذا عني؟"
لم يُجب أحمد حالًا. ارتعشت عيناه الداكنتان الثابتتان بإيماءة ضجر خفيّة.
ثم، بعد نحو ثلاث ثوانٍ، قال: "ليلى، إنها تحتضر. لعلّك لا تعلمين، غير أنها واقعة في حبي. ولأننا كنّا متزوجين، ولم تُرِد أن تؤذيك، لم تسمح يومًا أن تتخطّى الأمور حدودها بيننا. وحتى حين حاولت جبر خاطرها، لم تسمح من ذلك. إنها إنسانة طيبة. أرجوكِ، دعيها تنال هذا الأمر. لا تدفعيني لظنّ أنكِ منزوعَة الرحمة."
كلماته الهادئة أثخنتها أكثر مما لو نطق بها صارخًا.
وهكذا، في نظر أحمد، كانت المرأة التي أحبّت رجلًا متزوجًا، وتعهدت أن تبقى على مسافة دون أن تتخلى حقًا، بمثابة قديسة.
أما الزوجة التي رغبت فقط أن تحافظ على زوجها لها وحدها، فهي عنده بلا قلب.
حدّقت ليلى في وجهه. هو ذاته الوجه الذي عشِقَته؛ عينان عميقتان، وأنف بارز، وشفاه فاتنة.
متى بدأ كل شيء ينهار؟
لعلّه اليوم الذي ظهرت فيه تلك المرأة.
/0/30056/coverorgin.jpg?v=497282ad3f7b3fbc18e3134e7bab237c&imageMogr2/format/webp)
/0/29830/coverorgin.jpg?v=aea03c2812e4c3dfc7f537f9388eed74&imageMogr2/format/webp)
/0/29808/coverorgin.jpg?v=bd90a616d258ae487e99cd6b68ea4c03&imageMogr2/format/webp)
/0/31384/coverorgin.jpg?v=06891dfb4e9df3dfb91433e8d65b09ae&imageMogr2/format/webp)
/0/29628/coverorgin.jpg?v=42ee99ca161b5e1da1c91eac0c2b9094&imageMogr2/format/webp)
/0/30939/coverorgin.jpg?v=5e6360571c3bdcb8d0b172914b652d4f&imageMogr2/format/webp)
/0/29821/coverorgin.jpg?v=4ea9af3a01eb531ebbee1f456f9fb654&imageMogr2/format/webp)
/0/29820/coverorgin.jpg?v=31fae52342e18808852ece23cbbaa62b&imageMogr2/format/webp)
/0/29829/coverorgin.jpg?v=984ac10df56c17982b8af14fbfe01bfa&imageMogr2/format/webp)
/0/28943/coverorgin.jpg?v=a8e15a2b5af464226c9f3110bc49269d&imageMogr2/format/webp)