
/0/35602/coverorgin.jpg?v=339d1e8b156a562e67447d5030d81c34&imageMogr2/format/webp)
انزلقت مفاتيح السيارة من بين أصابع نورة المبللة، وسقطت في البركة المائية عند قدميها. انحنت لالتقاطها، لكن شيئاً ما جعلها تتجمد في مكانها قبل أن تلمس الماء البارد.
عبر زجاج نافذة سيارة بنتلي سوداء واقفة أمامها مباشرة، رأت مشهداً جعل الدم يتخثر في عروقها. ناصر الحربي، الرجل الذي وعدته بحياتها، كان يقبل أختها بالتبني مها المصري بشراهة. يد مها كانت مستلقية على فخذ ناصر بطريقة لا تترك مجالاً لأي تفسير بريء.
غثيان الحمل هاج في صدرها دفعة واحدة. ضغط خانق قبض على قلبها كأن يداً خفية تعصره بلا رحمة. كانت حاملاً في شهرها السادس، والطبيق حذرها مراراً أن وضع الجنين غير مستقر ويحتاج للراحة التامة. لكن ناصر أصر على أن تأتي إلى هذا المكان المنعزل خارج الرياض ليلاً، بحجة تسليم "ملف عاجل" لعميل مهم.
"انتظري هنا، سأعود سريعاً"، قال لها قبل أن يتركها في المطر وهي تتعثر بحملها الثقيل.
المطر كان ينهال بغزارة، والمظلة بالكاد تحمي بطنها المنتفخ. سقطت المفاتيح من يدها المرتجفة، وانحنت لالتقاطها، فإذا بالسيارة أمامها تتكشف عن سرّها المخفي.
نورة لم تستطع التنفس. الهواء دخل رئتيها بصعوبة كأنه زجاج مسحوق. نظرت إلى ناصر، الذي كان يجب أن يكون في "اجتماع عمل"، يقبل مها بجنون. مها المصري، التي نشأت معها تحت سقف واحد، التي كانت تدعوها "أختي" وتأكل من طبقها.
مها لاحظت نورة من خلف الزجاج المبلل. لم ترتبك. لم تنزعج. بدلاً من ذلك، رفعت شفتيها في ابتسامة بطيئة، متحدية، ثم أمعنت في تقبيل ناصر بعمق أكبر، ويداها تلتفان حول عنقه.
نورة شعرت بمعدتها تنقلب. طعم المرارة صعد من حلقها. أرادت أن تصرخ، أن تضرب الزجاج بقبضتها، لكن ألماً حاداً في بطنها جعلها تتلوي. سقطت المظلة من يدها، والمطر ابتلعها.
ناصر دفع مها بعيداً. رأى نورة. هبّ كمن يريد النزول من السيارة، لكن مها أمسكت بذراعه وهمست في أذنه شيئاً جعله يتردد. نظر إلى نورة مرة واحدة، ثم أعاد نظره إلى مها، وأغلق عينيه.
جلس في مكانه. لم ينزل. لم يعتذر. لم يفعل شيئاً.
نورة رأت التردد في عينيه، ثم رأته يختار. اختار مها.
شيء في داخلها انكسر في تلك اللحظة. لم يكن انكساراً عاطفياً، بل كان شيئاً مادياً، كأن عظماً في صدرها انشطر إلى نصفين. الألم في بطنها اشتد، لكنها أدارت ظهرها وبدأت تركض. الركض في المطر بحمل ستة أشهر كان جنوناً، لكنها لم تكن تفكر. كانت تهرب من المشهد، من الخيانة، من الابتسامة المنتصرة على وجه مها.
لم تركض أكثر من خطوتين قبل أن تسمع صوت محرك يزأر خلفها. التفتت في اللحظة التي انفجر فيها الضوء الأبيض في عينيها. أضواء السيارة الأمامية أصابتها كمنحة من النار. السيارة البنتلي، نفس السيارة التي شهدت الخيانة من خلف زجاجها، انطلقت نحوها كوحش طليق.
لم يكن هناك وقت للمشي للوراء. الضربة رفعتها عن الأرض. شعرت بجسدها يرتفع في الهواء لحظة، والوحيدة التي فكرت فيها ليست رأسها ولا قلبها، بل بطنها. ذراعاها التفتا حول بطنها تلقائياً، كأن جسدها يعرف ما يجب حمايته حتى لو لم يكن عقلها قادراً على التفكير.
سقطت على الإسفلت. المطر استمر في الهطول. آخر ما رأته قبل أن يبتلعها الظلام كان وجه مها، مائلاً من نافذة السيارة، يبتسم.
أبيض. سقف أبيض. رائحة مطهر. وأنين جهاز يصدر صفيراً منتظماً.
نورة فتحت عينيها ببطء. الضوء الفلورسنتي في غرفة المستشفى كان حاداً كالإبر في عينيها. حاولت أن تتحرك، لكن جسدها رفض. كل شيء كان ثقيلاً، كأن أحجاراً ربطت بأطرافها.
أول ما شعرت به لم يكن الألم في ساقيها أو كتفها أو رأسها. كان الفراغ.
بطنها. كانت فارغة.
يدها تحركت ببطء، كأنها لا تخصها، ووضعت على بطنها. كان مسطحاً. لم يعد هناك انتفاخ. لم يعد هناك حرارة. لم يعد هناك طفل.
"طفلي..."، همست بصوت مكسور.
"آسفون جداً"، قال الطبيب بأسى مهني مكتوم. "لم نتمكن من إنقاذه. إصاباتكِ كانت بالغة، لكن نجوكِ بحد ذاته معجزة".
نجوت. كانت هذه الكلمة الأكثر قسوة في حياتها. نجت جسدها لكن كل شيء آخر مات. طفلها مات. وأبوها وأمها دفنتهما قبل أسبوعين في حادث سير آخر. لم يبقَ أحد.
"الشرطة تريد أخذ أقوالكِ"، قالت الممرضة بحذر.
دخل ضابطان. كان محضراً مكتوباً مسبقاً. سألاها عن الليلة. قالت إن ناصر أخذها إلى هناك. قالت إنها رأت السيارة تنطلق نحوها. قالت إنها تعتقد أنها كانت متعمدة.
الضابطان تبادلا نظرة. ثم قرأ المقرر: "نتائج التحقيق الأولية: ليل ممطر، الطريق زلق، الحادث نتيجة انزلاق السيارة وفقدان السيطرة. السائق ناصر الحربي والشاهدة مها المصري أكدا أن السيدة نورة خرجت فجأة إلى الطريق وهي في حالة هياج عاطفي".
ناصر ومها. الشاهدان. الجناة.
أغلقت نورة عينيها. دمعة واحدة سالت من زاوية عينها على الوسادة الباردة. لم يكن لديها قوة للصراخ. لم يكن لديها أحد يسمع.
في الظلام الداخلي، وسط بياض المستشفى البارد، تذكرت شيئاً. والدتها، قبل أن تموت، أعطتها علبة صغيرة. فيها قطعة مجوهرات قديمة، لا يعرف أحد قيمتها الحقيقية إلا من يعرف. كانت آخر ما تبقى من تركة العائلة.
/0/35603/coverorgin.jpg?v=4e8f69db7bc440802d14a9194f6ddbbd&imageMogr2/format/webp)
/0/30309/coverorgin.jpg?v=702a4fe3b316d0a729e1ad9c7df1e611&imageMogr2/format/webp)
/0/29749/coverorgin.jpg?v=2244dfa18cf79a8f455c3a8874b88c64&imageMogr2/format/webp)
/0/30315/coverorgin.jpg?v=d721f136930e7e3b23267b035585fb27&imageMogr2/format/webp)
/0/29822/coverorgin.jpg?v=053b0ab4c1e4084e8684a48f295dcba2&imageMogr2/format/webp)
/0/29741/coverorgin.jpg?v=230474cfcb0bebf6b23d528bd8303455&imageMogr2/format/webp)
/0/30176/coverorgin.jpg?v=70b33adda4fc6a39bff9968c5b8d371a&imageMogr2/format/webp)
/0/30320/coverorgin.jpg?v=1f4be8d3d306ca26ddf389048d508669&imageMogr2/format/webp)
/0/34531/coverorgin.jpg?v=6705924602ccb8807a5aa8cfdf11d0cb&imageMogr2/format/webp)
/0/31998/coverorgin.jpg?v=db8c97926be7fe22839e3644a4e9325e&imageMogr2/format/webp)