بعد ثلاث سنوات قضيتها في لعب دور الزوجة الصامتة والمطيعة، ألقى زوجي بارون آل مونتويا بأوراق الطلاق أمامي ببرود تام. لقد اختار حبيبته القديمة أريانا، التي تتصنع المرض ببراعة، وألقى لي بفتات ثروته وشقة صغيرة، معتبراً إياي امرأة نكرة وبخلفية بسيطة لا تليق باسم عائلته المخملية. وقفت شقيقته وعشيقته تسخران مني في كل مناسبة، ظناً منهما أنني سأنهار وأتوسل للبقاء في قصرهم، وأنني مجرد خادمة قروية لا تملك عقلاً ولا قيمة خارج جدرانهم المظلمة. كان بارون ينظر إليّ باستعلاء شديد، مستعجلاً طردي ليذهب للبحث عن الطبيب الأسطوري المتواري عن الأنظار "الحكيم"، مستعداً لحرق ثروته لإنقاذ عشيقته من مرضها المناعي النادر. لم يكن يعلم أنني طوال تلك السنوات كنت أتحمل الإهانة بصمت، وأن الكبسولات التي تبقي عشيقته الماكرة على قيد الحياة كانت تُرسل من عيادتي الخاصة. وما لم يستوعبه عقله المغرور، أن الطبيب الأسطوري الذي سيجوب الأرض بحثاً عنه، هو ذاته الزوجة المنبوذة التي يطردها الآن. "وقّعتُ الأوراق دون أن أرمش، وتركته غارقاً في وهمه." حان الوقت لأتخلص من هذا السواد البائس، وأعود لعالمي الحقيقي كقناصة النخبة التي يرتجف منها الجميع. غداً في بطولة الرياض الملكية للرماية، سأجعل كل ذئاب العاصمة يركعون ليعرفوا من هي هيرمينا حقاً.
"وقّعي هنا، وانتهي من الأمر."
قالها بارون آل مونتويا، وهو يلقي بنظرة سريعة على ساعته الباتيك فيليب ذات الإطار البلاتيني، قبل أن يرجع ظهره إلى المقعد الجلدي الوثير في قاعة الاجتماعات بمكتب المحاماة في برج المملكة بالرياض. كانت برودة أجهزة التكييف تلسع الهواء، لكن وجه بارون كان يفيض بضيق لا يخفى.
على الجانب الآخر من الطاولة الخشبية الفاخرة، دفع المحامي، وهو رجل خمسيني ذو شارب مشذب وبدلة رمادية مبالغ في لمعانها، بنسختين من وثيقة الطلاق نحو هيرمينا. رسم المحامي على شفتيه ابتسامة لزجة تقطر شفقة مصطنعة وقال: "يا سيدة مونتويا... عفواً، آنسة هيرمينا آل مجيا قريباً. سيد بارون كان كريماً للغاية معكِ. هذه الشقة المؤثثة في ضواحي الرياض الشمالية والمبلغ المودع في الحساب، كافيان تماماً لتأمين حياة مستقرة لامرأة بخلفيتكِ البسيطة دون الحاجة للعمل."
لم ترمش هيرمينا. كانت تجلس في عباءتها السوداء الفضفاضة، ووجهها الخالي من أي مساحيق تجميل يبدو كلوح من الشمع الأبيض تحت أضواء النيون الباردة. لم تنظر إلى الأوراق التي تمثل نهاية ثلاثة أعوام من الزواج الذي فرضه واجب قديم، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق المتسع خلف الواجهة الزجاجية الشاهقة، حيث تعانق ناطحات سحاب الرياض السماء الرمادية الساخنة.
تنهد بارون بنفاد صبر، وشد أطراف غترته البيضاء بعصبية أظهرت عروق يده النافرة: "هيرمينا! كفّي عن هذا الصمت البارد. لقد ضيعتِ ما يكفي من وقتي. أريانا تشعر بالإرهاق اليوم وتحتاجني بجانبها، ولا نية لدي لقضاء الظهيرة في مراقبة شرودكِ المعتاد."
كان اسم "أريانا آل دالي" يسقط في الغرفة كحجر في ماء راكد. أريانا، مصممة المجوهرات الرقيقة، حبيبة شبابه و"وردته البيضاء" التي عادت إلى حياته لتعلن أن قلب بارون لا يتسع لزوجة هادئة فرضتها التقاليد.
أدارت هيرمينا بصرها ببطء شديد نحوه. كانت حدقتاها سوداوين كليل الصحراء، عميقتين لدرجة جعلت بارون يتراجع لا إرادياً بنصف بوصة نحو مسند مقعده. هذا البرود لم يكن ما اعتاده منها طوال سنوات خدمتها له في قصره بالدرعية؛ لم يكن هناك دمع يترقرق، ولا يد ترتجف، ولا صوت يتهدج استجداءً للبقاء.
"ما الذي تنظرين إليه؟" سأل بارون، محاولاً تغليف ارتباكه الفجائي بنبرة استعلاء فجة. "أتظنين أن التحديق سيغير شيئاً؟ لقد اخترتُ أريانا. اخترتها هي وسأبقى معها. مكانتكِ كزوجة لآل مونتويا كانت هبة، وانتهى وقتها."
زفرت هيرمينا نفساً قصيراً، وارتسمت على زاوية فمها انحناءة باهتة للغاية؛ لم تكن ابتسامة، بل كانت تشريحاً صامتاً لرجل فرغ من كل هيبة.
مدت أصابعها النحيلة، وأمسكت بقلم المونت بلانك الذهبي الموضوع أمامها. تبادل بارون ومحاميه نظرة سريعة ملؤها الثقة بأنها ستبدأ الآن بطلب المزيد من الأسهم أو زيادة النفقة الشهرية. لكن هيرمينا لم تفتح فمها بأي شرط. نزعت غطاء القلم بحركة حاسمة صدر عنها صوت نقرة معدنية حادة ملأت أرجاء القاعة الساكنة.
في خانة التوقيع الأخيرة، خطت يدها الثابتة حروف اسمها الثلاثي: "هيرمينا آل مجيا".
كان خطها عربياً أصيلاً، منسقاً بقوة تجريد واضحة لا يمتلكها إلا من اعتاد إصدار الأوامر المصيرية. تركت القلم، وسقط غطاؤه على الطاولة ليدحرج بضع سنتيمترات قبل أن يستقر أمام ملف المحامي المذهول.
"هكذا فقط؟" خرجت الكلمة من فم بارون دون وعي. عقد حاجبيه مذهولاً من السهولة التي تخلت بها عن لقب عائلته ذائعة الصيت.
وقفت هيرمينا مستقيمة. قامت بتعديل طرف حجابها الأسود بدقة متناهية، ونظرت إلى بارون من علٍ بنظرة لم ترَ فيها عيناه سوى فراغ مطبق.
"بارون،" نادت اسمه مجرداً من أي ألقاب كان يفرضها على خدمه وحاشيته، وبنبرة منخفضة جعلت مسام جلده تقشعر: "قريباً جداً، ستجوب مستشفيات العالم بحثاً عن رجل يُدعى 'الحكيم'."
تصلب جسد بارون، وضاق بؤبؤ عينيه: "عن أي خرافة تتحدثين؟" كان الاسم صادماً لبارون؛ إذ لم يمر سوى يومين منذ أن همس له أحد أعمامه النافذين بأن الأمل الوحيد لمرض أريانا المناعي النادر يكمن في التواصل مع طبيب أسطوري متوارٍ عن الأنظار يلقب نفسه بـ "الحكيم"، ولم تكن تفاصيل الأمر قد خرجت من دائرة العائلة الضيقة.
واصلت هيرمينا كلامها دون أن تمنحه فرصة للاستيعاب، وببرود يماثل صقيع الجبال: "احفظ كلامي جيداً. ستبحث عنه في كل زاوية، ولن تجده. وحين تعجز، تذكر هذه اللحظة."
التفتت نحو الباب، وخطت بثبات منقطع النظير، وجسدها الرشيق يتحرك بوقار لم يلحظه بارون يوماً تحت ثيابها الفضفاضة.
اشتعلت النيران في رأس بارون، وشعر بأن هيبته كرجل من كبار عائلات نجد تُسحق أمام محاميه الخاص. قفز واقفاً، وضرب الطاولة بقبضته ضربة هزت الأقداح الزجاجية: "توقفي مكانكِ! بأي حق تتفوهين بهذه الألغاز؟ إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة؟"
وضعت هيرمينا كفها على مقبض الباب الفولاذي، وتوقفت دون أن تكلف نفسها عناء الالتفات خلفها.
"منذ هذه اللحظة،" قالتها بصوت تقطر كلماته حزماً كحد السيف، "شرف آل مونتويا وخسائرهم لم تعد تعنيني بشيء. وحياتك وموتك... لم يعودا شأني."
فتحت الباب وخرجت، مخلّفة وراءها صفيراً خافتاً للهواء البارد الذي أغلق المصراع ورائها.
"سيدي..." تلعثم المحامي وهو يبتلع ريقه ويمسح عرقه المتصبب. "لا تعرها اهتماماً، مجرد امرأة منبوذة تحاول حفظ ماء وجهها بكلمات جوفاء."
"اصمت!" زأر بارون، وهو يحدق في الباب المغلق، وصدره يعلو ويهبط بحدة، وشعور غريب بالاختناق يجثم على أضلاعه للمرة الأولى منذ سنوات.
خرجت هيرمينا من البهو الرخامي لبرج المحاماة إلى ساحة الانتظار الخارجية. كانت شمس الرياض في الظهيرة تصب أشعتها الذهبية الساطعة، فرفعت ذقنها واستنشقت الهواء الساخن المحمل برائحة الأسفلت والحرية.
توقفت بجانب الرصيف سيارة فيراري حمراء بصوت محرك هادر يشبه زئير فهد بري. انزلق الزجاج الداكن للنافذة، لتظهر من خلفه نظارات شمسية عريضة تضعها شابة سمراء بملامح حادة وفم مطلي بحمرة قرمزية جريئة.
"هل انتهت المهزلة؟" سألت روان آل قاسم، وريثة كبرى شركات الملاحة وصديقتها الوحيدة التي تعرف حقيقتها.
فتحت هيرمينا الباب وجلست في المقعد الجلدي الوثير، وارتسمت على شفتيها لأول مرة ابتسامة حقيقية مشبعة بالتحرر: "انتهت. والآن يبدأ الحساب."
داست روان على دواسة الوقود، فانطلقت الفيراري شاقة زحام الشارع العريض، وضحكت بصوت رنان: "ممتاز. أهلاً بكِ مجدداً في عالمكِ، يا هيرمينا. وجهتنا الأولى: التخلص من هذا السواد البائس، فقد حان الوقت لتعرف الرياض من تكونين حقاً."
العودة المذهلة للزوجة المنبوذة ذات الهوية الغامضة
Star Dust
رومانسية
الفصل 1 No.1
09/09/2026
الفصل 2 No.2
09/09/2026
الفصل 3 No.3
09/09/2026
الفصل 4 No.4
09/09/2026
الفصل 5 No.5
09/09/2026
الفصل 6 No.6
09/09/2026
الفصل 7 No.7
09/09/2026
الفصل 8 No.8
09/09/2026
الفصل 9 No.9
09/09/2026
الفصل 10 No.10
09/09/2026
الفصل 11 No.11
09/09/2026
الفصل 12 No.12
09/09/2026
الفصل 13 No.13
09/09/2026
الفصل 14 No.14
09/09/2026
الفصل 15 No.15
09/09/2026
الفصل 16 No.16
09/09/2026
الفصل 17 No.17
09/09/2026
الفصل 18 No.18
09/09/2026
الفصل 19 No.19
09/09/2026
الفصل 20 No.20
09/09/2026
الفصل 21 No.21
09/09/2026
الفصل 22 No.22
09/09/2026
الفصل 23 No.23
09/09/2026
الفصل 24 No.24
09/09/2026
الفصل 25 No.25
09/09/2026
الفصل 26 No.26
09/09/2026
الفصل 27 No.27
09/09/2026
الفصل 28 No.28
09/09/2026
الفصل 29 No.29
09/09/2026
الفصل 30 No.30
09/09/2026
الفصل 31 No.31
10/09/2026
الفصل 32 No.32
10/09/2026
الفصل 33 No.33
10/09/2026
الفصل 34 No.34
10/09/2026
الفصل 35 No.35
10/09/2026
الفصل 36 No.36
10/09/2026
الفصل 37 No.37
10/09/2026
الفصل 38 No.38
10/09/2026
الفصل 39 No.39
10/09/2026
الفصل 40 No.40
10/09/2026